صبحي الصالح
105
مباحث في علوم القرآن
يجعله أكثر من لفظ ، وإنما نضعفه بسبب الاقتصار عليه ، إذ حفظت لنا أوجه أخرى من الاختلاف ليست من اللهجات في شيء ، كما سنرى بوضوح . وإذا كنا في الاختلاف في اللهجات لا نجد إلا تنوعا في صفات الأداء في اللفظ الواحد ، ففي اختلاف اللغات نجد أحيانا تباينا بين لفظ وآخر في موضوع واحد ، ولو أمكننا حصر اللغات العربية المختلفة هذا النوع من الاختلاف في سبع لا تزيد ولا تنقص ، وقبل منا هذا الحصر في غير تردد ، ومن غير شعور بتعسفنا فيه ، لكانت هذه اللغات السبع هي الأحرف السبعة من غير ما حاجة إلى الجدل العقيم ، ولكن التعسف في الموضوع أوضح من أن يخفى على ذي بصر سواء أكانت لغات العرب هذه هي لغات قريش ، وهذيل ، وتميم ، وأزد ، وربيعة ، وهوازن ، وسعد بن بكر « 1 » ، أو كانت لغات قبائل مضر خاصة ، وهي هذيل وكنانة ، وقيس ، وضبة ، وتيم الرباب ، وأسد بن خزيمة ، وقريش « 2 » ، لأن في القرآن الكريم ألفاظا من لغات قبائل أخرى غير التي ذكرت على كلا الرأيين ، تمثّلت كلّها في لغة قريش ، وبلغ أبو بكر الواسطي « 3 » بتعدادها أربعين لغة في كتابه « الإرشاد في القراءات العشر » ، فكلمة « اخسئوا » بمعنى أخزوا بلغة عذرة ، وكلمة « بئيس » بمعنى شديد بلغة غسان ، وكلمة « لا تغلوا » بمعنى لا تزيدوا بلغة لخم ، وكلمة « حصرت » بمعنى ضاقت بلغة اليمامة ، وكلمة « هلوعا » بمعنى ضجرا بلغة
--> ( 1 ) وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يحيى ثعلب ( البرهان 1 / 217 ) . وقال الأزهري في « التهذيب » : إنه المختار ، واحتج بقول عثمان حين أمرهم بترتيب المصاحف : « وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش ، فإنه أكثر ما نزل بلسانهم » : « البرهان 1 / 218 » وقد نبهنا على أن الاختلاف هنا - كما يفهم من النص - يدور حول الكتابة والرسم لا أي شيء آخر ( راجع ص 80 ) . ( 2 ) الاتقان 1 / 80 والزركشي في ( البرهان 1 / 219 ) يورد اعتراضا على هذا التخصيص على لسان أبي عمر بن عبد البر الذي يقول : « وأنكر آخرون كون كل لغات مضر في القرآن لأن فيهما شواذ لا يقرأ بها ، مثل كشكشة قيس ، وعنعنة تميم . . . وهذه لغات يرغب بالقرآن عنها » . ( 3 ) أبو بكر الواسطي هو محمد بن محمد بن سليمان ، الحافظ المعمر .